الشنقيطي

291

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تفسير قوله تعالى : يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ : أي يزيده عذابا فوق عذاب . وقال الزّمخشريّ في الكشّاف : يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ أي نطوّل له من العذاب ما يستأهله ؛ ويعذّبه بالنّوع الّذي يعذّب به المستهزئون . أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد ، يقال : مدّه وأمدّه بمعنى . وتدلّ عليه قراءة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وتمد له بالضم وأكّد ذلك بالمصدر . وذلك من فرط غضب اللّه . نعوذ به من التّعرض لما يستوجب غضبه ا ه . وأصل المدد لغة : الزّيادة ، ويدلّ لذلك المعنى قوله تعالى في أكابر الكفّار الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل اللّه : زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ( 88 ) [ النحل : 88 ] ، وقوله في الأتباع والمتبوعين : قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ( 38 ) [ الأعراف : 38 ] . وقوله في هذه الآية : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي ما يقول إنّه يؤتاه يوم القيامة من مال وولد ، أي نسلبه منه في الدّنيا ما أعطيناه من المال والولد بإهلاكنا إيّاه . وقيل : نحرمه ما تمنّاه من المال والولد في الآخرة ، ونجعله للمسلمين . ويدلّ للمعنى الأوّل قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) [ مريم : 40 ] ، وقوله : وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) [ الحجر : 23 ] كما تقدّم إيضاحه في هذه السّورة الكريمة . وقوله : وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 94 ] ، الآية ، وقال تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) [ مريم : 95 ] كما تقدّم إيضاحه . فإن قيل : كيف عبّر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة بحرف التّنفيس الدّالّ على الاستقبال في قوله لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ مع أنّ ما يقوله الكافر يكتب بلا تأخير ؛ بدليل قوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) [ ق : 18 ] ؟ فالجواب أنّ الزّمخشري في كشّافه تعرّض للجواب عن هذا السّؤال بما فصّه : قلت فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنّا كتبنا قوله ، على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي : إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقري بها بدّا أي تبيّن وعلم بالانتساب أنّي لست بابن لئيمة . والثّاني - أنّ المتوعّد يقول للجاني : سوف أنتقم منك . يعني أنّه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزّمان واستأخر ، فجرّدها هنا لمعنى الوعيد ا ه منه بلفظه . إلّا أنّا زدنا اسم قائل البيت وتكلمته . وما ذكره جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : من أنّه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعدّدة من كتابه ، كقوله تعالى : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما